تعتبر رائحة الجسم جزءًا طبيعيًا من فسيولوجيا الإنسان، وتتأثر بالعديد من العوامل مثل النظام الغذائي، النظافة الشخصية، وحتى العوامل الوراثية. ومع ذلك، فإن التغيرات المفاجئة أو غير المعتادة في رائحة الجسم قد تكون مؤشرًا مهمًا على وجود مشكلات صحية كامنة تستدعي الانتباه. يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على العلاقة بين رائحة الجسم والصحة، وكيف يمكن لبعض الروائح أن تكون بمثابة إشارات تحذيرية لأمراض معينة.
الأسباب الرئيسية لرائحة الجسم
تنتج رائحة الجسم بشكل أساسي عن تفاعل العرق مع البكتيريا الموجودة على سطح الجلد. يحتوي جسم الإنسان على نوعين رئيسيين من الغدد العرقية: الغدد الناتحة (Eccrine glands) والغدد المفرزة (Apocrine glands) [1].
- الغدد الناتحة: توجد في معظم أنحاء الجسم وتفرز عرقًا مائيًا يساعد على تنظيم درجة حرارة الجسم عند تبخره.
- الغدد المفرزة: توجد في مناطق معينة مثل الإبطين ومنطقة العانة. تفرز هذه الغدد عرقًا حليبيًا عديم الرائحة في البداية، ولكن عند تفاعله مع البكتيريا الموجودة على الجلد، ينتج عنه مركبات كيميائية ذات رائحة مميزة [1].
بالإضافة إلى التفاعل بين العرق والبكتيريا، هناك عدة عوامل أخرى يمكن أن تؤثر على رائحة الجسم:
- النظافة الشخصية: عدم الاستحمام بانتظام يسمح بتراكم البكتيريا والعرق، مما يزيد من فرص ظهور رائحة الجسم الكريهة [2].
- النظام الغذائي: بعض الأطعمة مثل الثوم، البصل، التوابل القوية، والكحول يمكن أن تؤثر على رائحة الجسم، حيث يتم إفراز مركباتها الكيميائية من خلال العرق [2, 3].
- التغيرات الهرمونية: التقلبات الهرمونية، خاصة خلال فترة البلوغ، الحمل، أو انقطاع الطمث، يمكن أن تؤثر على نشاط الغدد العرقية وبالتالي على رائحة الجسم [1].
- الأدوية: بعض الأدوية يمكن أن تسبب تغيرات في رائحة الجسم كأثر جانبي، حيث يتم إخراج مكوناتها من الجسم عن طريق العرق [2].
- التوتر والقلق: يمكن أن يزيد التوتر من التعرق، مما يوفر بيئة خصبة لنمو البكتيريا وإنتاج الروائح [3].
روائح الجسم كإشارات صحية
في بعض الحالات، قد تكون رائحة الجسم غير المعتادة مؤشرًا على وجود مشكلة صحية كامنة. إليك بعض الروائح الشائعة وما قد تشير إليه:
- رائحة نفس كريهة (مثل رائحة البيض المتعفن): قد تشير إلى عدوى بكتيرية، مثل بكتيريا الملوية البوابية (H. pylori) في الجهاز الهضمي، والتي يمكن أن تسبب مشاكل مثل ارتجاع المريء أو قرحة المعدة [4].
- رائحة نفس تشبه رائحة الفاكهة أو التفاح المتعفن: هذه الرائحة قد تكون علامة على الحماض الكيتوني السكري (Diabetic Ketoacidosis)، وهي حالة خطيرة تحدث عندما لا ينتج الجسم ما يكفي من الأنسولين، مما يؤدي إلى حرق الدهون لإنتاج الطاقة وتكوين أجسام كيتونية [4].
- رائحة قدم كريهة جدًا: على الرغم من أن رائحة القدمين شائعة، إلا أن التعرق المفرط والدائم (فرط التعرق) قد يكون مؤشرًا على حالة تتطلب عناية طبية [4]. كما أن الأحذية الضيقة والجوارب غير الماصة للرطوبة يمكن أن تزيد من المشكلة [3].
- رائحة جسم تشبه رائحة السمك: قد تكون هذه الرائحة، خاصة إذا كانت قوية ومستمرة، علامة على متلازمة رائحة السمك (Trimethylaminuria)، وهي اضطراب وراثي نادر يمنع الجسم من تكسير مركب ثلاثي ميثيل أمين (TMA)، الذي يوجد في بعض الأطعمة [4].
- رائحة بول قوية أو غير عادية: يمكن أن تتأثر رائحة البول بالنظام الغذائي ومستوى الترطيب. ومع ذلك، قد تشير الرائحة القوية أو غير العادية إلى الجفاف، التهاب المسالك البولية، أو بعض الأمراض المنقولة جنسيًا، أو حتى مرض السكري [3].
- رائحة الإفرازات المهبلية الكريهة: الإفرازات المهبلية ذات الرائحة الكريهة، خاصة إذا كانت مصحوبة بتغير في اللون أو القوام، قد تشير إلى عدوى بكتيرية أو فطرية، مثل التهاب المهبل البكتيري أو داء المبيضات المهبلي [3].
- رائحة الجسم الكريهة المستمرة رغم النظافة: إذا استمرت رائحة الجسم الكريهة على الرغم من النظافة الشخصية الجيدة، فقد تكون مرتبطة بنقص المغنيسيوم أو الزنك، أو مشاكل في الجهاز الهضمي [4].
مواجهة الروائح الكريهة وطرق التعامل معها
تعتبر النظافة الشخصية خط الدفاع الأول ضد الروائح الكريهة. إليك بعض الإجراءات التي يمكن اتخاذها للتعامل مع الروائح الكريهة والتخلص منها:
- الاستحمام اليومي: الاستحمام بانتظام باستخدام الصابون والماء يساعد على إزالة العرق والبكتيريا من سطح الجلد، خاصة في المناطق التي يكثر فيها التعرق مثل الإبطين والفخذين والقدمين [2].
- تجفيف الجسم جيدًا: بعد الاستحمام، يجب تجفيف الجسم جيدًا، خاصة في ثنايا الجلد، حيث أن البكتيريا تنمو بشكل أفضل في البيئات الرطبة [3].
- استخدام مزيلات العرق ومضادات التعرق: مزيلات العرق تخفي الرائحة، بينما مضادات التعرق تقلل من إفراز العرق. يمكن استخدامها للتحكم في رائحة الإبط [2].
- تغيير الملابس بانتظام: يجب تغيير الملابس، خاصة الداخلية والجوارب، بشكل يومي، أو أكثر من مرة في اليوم إذا كان هناك تعرق شديد. الأقمشة الطبيعية مثل القطن تسمح بتهوية أفضل [2, 3].
- النظام الغذائي المتوازن: تجنب أو التقليل من الأطعمة التي تسبب روائح قوية مثل الثوم، البصل، والتوابل الحارة قد يساعد في تقليل رائحة الجسم [2].
- شرب كميات كافية من الماء: يساعد شرب الماء على طرد السموم من الجسم ويحافظ على ترطيبه، مما قد يؤثر إيجابًا على رائحة البول والجسم بشكل عام [3].
- العناية بالقدمين: غسل القدمين بانتظام، تجفيفهما جيدًا، وتغيير الجوارب، واستخدام أحذية تسمح بتهوية القدمين يمكن أن يقلل من رائحة القدمين الكريهة [3].
- العناية بالفم: تنظيف الأسنان مرتين يوميًا، استخدام خيط الأسنان، وغسول الفم يساعد في التخلص من رائحة الفم الكريهة. زيارة طبيب الأسنان بانتظام ضرورية أيضًا [3].
إذا لم تكن هذه الإجراءات كافية، أو إذا كانت الرائحة مصحوبة بأعراض أخرى، فمن الضروري استشارة الطبيب لتحديد السبب الكامن والحصول على العلاج المناسب.
متى يجب استشارة الطبيب؟
من المهم معرفة متى تكون رائحة الجسم مجرد أمر طبيعي، ومتى تستدعي زيارة الطبيب. يجب استشارة الطبيب في الحالات التالية:
- تغير مفاجئ في رائحة الجسم: إذا لاحظت تغيرًا مفاجئًا وغير مبرر في رائحة جسمك، خاصة إذا كان مصحوبًا بأعراض أخرى مثل الحمى، التعب، أو فقدان الوزن غير المبرر [1].
- رائحة كريهة مستمرة: إذا استمرت رائحة الجسم الكريهة على الرغم من اتباع ممارسات النظافة الشخصية الجيدة، مثل الاستحمام اليومي واستخدام مزيلات العرق [2].
- رائحة مرتبطة بأعراض أخرى: إذا كانت الرائحة مصحوبة بأعراض مثل التعرق المفرط، تغير لون البول، ألم، أو إفرازات غير طبيعية [3].
- رائحة نفس كريهة لا تزول: إذا لم تختفِ رائحة الفم الكريهة بعد تنظيف الأسنان واستخدام غسول الفم، فقد يكون هناك سبب طبي كامن [4].
الخلاصة
رائحة الجسم هي مؤشر حيوي يمكن أن يكشف الكثير عن صحتنا. في حين أن معظم التغيرات في رائحة الجسم تكون طبيعية ومرتبطة بعوامل يومية، إلا أن بعض الروائح قد تكون إشارة تحذيرية لأمراض كامنة. من خلال الانتباه إلى هذه التغيرات واستشارة الطبيب عند الضرورة، يمكن للأفراد الحفاظ على صحتهم واكتشاف المشكلات المحتملة في وقت مبكر.
المراجع
[1] Mayo Clinic. (n.d.). Sweating and body odor - Symptoms and causes. Retrieved from https://www.mayoclinic.org/ar/diseases-conditions/sweating-and-body-odor/symptoms-causes/syc-20353895 [2] Altibbi. (2025, July 31). اسباب رائحة الجسم والفم الكريهتين، وسبل العلاج. Retrieved from https://altibbi.com/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%A9/%D8%B5%D8%AD%D8%A9-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A9/%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B3%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%87%D8%AA%D9%8A%D9%86-491 [3] RT Arabic. (2024, May 6). ماذا تكشف روائح الجسم الكريهة عن صحتك؟. Retrieved from https://arabic.rt.com/health/1562434-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%A6%D8%B9%D8%A9-%D8%B5%D8%AD%D8%AA%D9%83/ [4] Al Jazeera. (2019, November 17). منها روائح البيض والسمك والتفاح.. 12 رائحة للجسم تشير إلى أمراض بينها السرطان. Retrieved from https://www.aljazeera.net/health/2019/11/17/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B3%D9%85-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%B7%D8%A7%D9%86الثوم


